
لم يكن القدر هو من ساقني لذاك الشارع .. بل هو قلبي التعيس يحوم بالأجواء باحثا عن سبيلٍ يرويه .. توقفت بسيارتي وعيناي المنتفختان تقول : نعم، هذا ما كنت أبحث عنه! هذا ما احتاجه الآن !
مسحت بقايا دموعي و ترجلت من المركبة كالمجنونة فشرعت بالدخول من خلال ممر جيري كئيب تساقطت عليه أوراق الخريف بكل إهمال منذ بضعة أسابيع على الأقل مستقبلة زخّات المطر، هززت رأسي تحية لموظف الاستقبال المشغول بالهاتف وأكملت مسيري نحو المصعد، لبرهة .. احتارت أصابعي أيُّ الطوابق اعتدت ان اختار؟......لكنني سرعان ما استدركت الموقف ظاغطة زر الطابق الثالث وقد احمر وجهي خجلا من نفسي
، كدت أصعق من الخوف حين لمحت وجهي بمرآة المصعد ، أهذه أنا التي تحدق بي بعينين محمّرتين؟ مشعثة الشعر مبلولة الوجه وشفاه مرتعشة، أخفيت وجهي بيدي ونزلت من المصعد
قادني الحنين عبر الفناء الخاوي ، أوه نعم انها الخامسة مساءً ، وقت التلفاز ، ولكن هناك من لا تستطيع مشاهدة التلفاز ، طفلتي العزيزة على قلبي بياض الثلج لا بد من انها مستلقية بسريرها الحديدي وانبوب التغذية صديقها الصدوق ،لا بد من انها تنتظرني ...
ولكنها ..... لم تكن هناك!
وصلت لغرفة التسلية والتلفاز حيث كان الجميع هناك ، هل فعلا يشعرون بالتسلية بمواجهة هذا الصندوق الملوّن المزعج؟ أم تراها فرصة للممرضات لتبادل الاحاديث التي لا تنتهي ...
حالما دخلت ، جالت عيناي بالغرفة ......لم يتغيّر شيء .. كأنني بالأمس كنت هنا .... سامي بكرسيه الهزّاز يمسك ألعابه ويضربها بنشوة ومرح ..... أنوار ذات الوجه البشوش دائما وأبدا تنظر لي بابتسامتها العريضة وتصرخ فرحا .... ذو عيني النمر(كما لقّبته) المستلقي كالعادة في مغطس الكرات البلاستيكية وعيناه مسمّرتان على النافذة كأنه يشكي للغيوم همومه ، و ...
نورة ليست هنا ، قد تجدينها في حجرتها
بلغتها الانجليزية المتقطعة ، وصلني صوت الممرضة اللطيفة التي لطالما رأيت فيها القدوة الطيبة لبقية الممرضات الكسولات ، ابتسمت لها شاكرة واستدرت عائدة لصديقتي الغالية (( نورة ))
قادني الحنين عبر الفناء الخاوي ، أوه نعم انها الخامسة مساءً ، وقت التلفاز ، ولكن هناك من لا تستطيع مشاهدة التلفاز ، طفلتي العزيزة على قلبي بياض الثلج لا بد من انها مستلقية بسريرها الحديدي وانبوب التغذية صديقها الصدوق ،لا بد من انها تنتظرني ...
ولكنها ..... لم تكن هناك!
وصلت لغرفة التسلية والتلفاز حيث كان الجميع هناك ، هل فعلا يشعرون بالتسلية بمواجهة هذا الصندوق الملوّن المزعج؟ أم تراها فرصة للممرضات لتبادل الاحاديث التي لا تنتهي ...
حالما دخلت ، جالت عيناي بالغرفة ......لم يتغيّر شيء .. كأنني بالأمس كنت هنا .... سامي بكرسيه الهزّاز يمسك ألعابه ويضربها بنشوة ومرح ..... أنوار ذات الوجه البشوش دائما وأبدا تنظر لي بابتسامتها العريضة وتصرخ فرحا .... ذو عيني النمر(كما لقّبته) المستلقي كالعادة في مغطس الكرات البلاستيكية وعيناه مسمّرتان على النافذة كأنه يشكي للغيوم همومه ، و ...
نورة ليست هنا ، قد تجدينها في حجرتها
بلغتها الانجليزية المتقطعة ، وصلني صوت الممرضة اللطيفة التي لطالما رأيت فيها القدوة الطيبة لبقية الممرضات الكسولات ، ابتسمت لها شاكرة واستدرت عائدة لصديقتي الغالية (( نورة ))
في هذا الطابق رائحة مميزة .. تأسرني وتسحق أنفي العالي فأشعر أنني في بيتي رغمًا عني
استوقفني في الممر انعكاسي.....فكرت متأملة : كيف تبدّلت ملامحي ...؟ ما هذا النور المشع من عيناي؟ من أين يلوح طيف الابتسامة هذا؟..... أهو سحر تخللني في هذا المكان؟.... لست أدري
ولكنني هنا ، وبينهم ، فعلا أرتوي ...
كانت تتأفف من صوت التلفاز العالي وتطلب إطفاءه ، وما من ملبّي ، أطفأت التلفاز ووقفت أنتظر التفاتها نحوي ، صحيح انها مكفوفة ، لا تبصرني ولكن قلبها يعرفني ويميز حضوري
فاطمة ....؟؟
ابتسمت منتصرة ، نعم بالفعل لقد عرفتني ، رغم طول غيابي ،ولكنها عرفتني
اندفعت نحوها أحييها بصوتي العالي : نورة ،شلوووووونج؟
كانت تتأفف من صوت التلفاز العالي وتطلب إطفاءه ، وما من ملبّي ، أطفأت التلفاز ووقفت أنتظر التفاتها نحوي ، صحيح انها مكفوفة ، لا تبصرني ولكن قلبها يعرفني ويميز حضوري
فاطمة ....؟؟
ابتسمت منتصرة ، نعم بالفعل لقد عرفتني ، رغم طول غيابي ،ولكنها عرفتني
اندفعت نحوها أحييها بصوتي العالي : نورة ،شلوووووونج؟
ردّت ، بكلمات متقطّعة بسبب سقوط معظم أسنانها وانحراف المتبقي منها:
-انا زينه .. انتي وينج؟ انا كله انطرج .. يبتيلي جنطة حمرة؟وين الساعه صلحتي سيرها؟
ضحكت من كل قلبي فرحة ً لشوقها لي ، لم أشعر من قبل بشوق حقيقي كهذا ،هي تكبرني بعشرين سنة على الأقل ولكنني أدللها كطفلتي
-ان شاء الله المرّه اليايه ، ما مداني كنت مشغولة
زمّت شفتيها على مضض عابسة.. ..وابتسمت مرة اخرى طالبة مني أن أحضر مصحفها لنكمل حفظ الآيات من القرآن
كنت أختار السور البسيطة القصيرة حتى يسهل عليها حفظها ، وكم كانت تفرح حين تحفظها وتقفز مصفقة كطفلة مزهوّة بلعبتها ، تعيد تسميع السورة مرة تلو مرة تلو ...
-هيا يا نورة وقت التمارين
كان إعلان الممرضة واضح وهمجي بعض الشيء كدعوة لي للانصراف
قبلت نورة ا مودّعة اياها ووعدتها بعودتي قريبا بهدايا حمراء كما تحب وتشتهي
وانا نفسي لست أدري إن كانت الأيام ستعيدني
ولكنني على يقين بأنني كلما دخلت من هذا الباب ... أخرج من شرنقتي وأرمي أقنعة ً آآآه يا لثقلها أقنعتي ...
